عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

5

اللباب في علوم الكتاب

وأمّا قول بعضهم : إنّه من أسماء اللّه - تبارك وتعالى - فأبعد ؛ لأنه ليس جعله اسما للّه أولى من جعله اسما لبعض رسله من الملائكة ، أو الأنبياء - عليهم ، وعلى نبيّنا أفضل الصّلاة والسّلام - ، ولأن الاسم إنّما يصير للمسمّى بواسطة الوضع والاصطلاح وذلك مفقود هنا ، بل الحقّ أنّ قول : « المص » اسم لقب لهذه السّورة الكريمة ، وأسماء الألقاب لا تفيد ههنا فائدة في المسمّيات ، بل هي قائمة مقام الإرشادات « 1 » ، وللّه - تبارك وتعالى - سبحانه أن يسمّي هذه السورة بقوله : « المص » كما أنّ الواحد منّا إذا حدث له ولد فإنّه يسمّيه بمحمّد . قوله : « كتاب » : يجوز أن يكون خبرا عن الأحرف قبله ، وأن يكون خبرا لمبتدأ مضمر ، أي : هو كتاب ، كذا قدّره الزّمخشريّ « 2 » . ويجوز أن يكون كتاب مبتدأ و « أنزل » صفته و « فلا تكن » خبره ، والفاء زائدة على رأي الأخفش « 3 » أي : كتاب موصوف بالإنزال إليك ، لا يكن في صدرك حرج منه ، وهو بعيد جدّا . والقائم مقام الفاعل في « أنزل » ضمير عائد على الكتاب ، ولا يجوز أن يكون الجارّ ؛ لئلا تخلو الصفة من عائد . والمراد بالكتاب القرآن الكريم . فإن قيل : الدّليل الذي دلّ على صحّة نبوّة محمد صلّى اللّه عليه وسلم هو أن اللّه - تبارك وتعالى جدّه لا إله إلّا هو - خصّه بإنزال هذا القرآن عليه فما لم نعرف هذا المعنى لا يمكننا أن نعرف نبوته ، وما لم نعرف نبوته لا يمكننا أن نحتج بقوله فلو أثبتنا كون هذه السورة نازلة من عند اللّه - تبارك وتعالى - بقوله لزم الدّور ؟ فالجواب : نحن نعلم بمحض العقل أنّ هذه السورة الكريمة كتاب أنزل إليه من عند اللّه ؛ لأنه عليه أفضل الصّلاة والسّلام ما تتلمذ لأستاذ ، ولا تعلم من معلّم ، ولا طالع كتابا ، ولم يخالط العلماء والشّعراء وأهل الأخبار ، وانقضى من عمره صلّى اللّه عليه وسلم أربعون سنة ولم يتفق له شيء من هذه الأحوال ، ثم بعد الأربعين ظهر له هذا الكتاب العزيز المشتمل على علوم الأولين والأخرين ، والعقل يشهد بأنّ هذا لا يحصل إلا بطريق الوحي من عند اللّه - تبارك وتعالى - ؛ فثبت بهذا الدّليل العقلي أن هذا الكتاب أنزل على محمّد صلّى اللّه عليه وسلم من عند ربه وإلهه عز وجل « 4 » . فصل في دحض شبهة خلق القرآن احتج القائلون بخلق القرآن الكريم بقوله : « كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ » ، فوصف بكونه منزلا

--> ( 1 ) في تفسير الرازي : الإشارات . ( 2 ) ينظر : الكشاف 2 / 85 . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن للأخفش 1 / 124 . ( 4 ) ينظر : تفسير الرازي 14 / 14 .